Home » هل تستعيد جنوب أفريقيا لقب “عاصمة الذهب”؟

هل تستعيد جنوب أفريقيا لقب “عاصمة الذهب”؟

هل تستعيد جنوب أفريقيا لقب “عاصمة الذهب”؟

شهدت أسعار الذهب منذ بداية العام الحالي ارتفاعات ملحوظة، نتيجة تصاعد المخاوف الجيوسياسية وعوامل أخرى عززت الطلب. فقد أنهى المعدن الأصفر عام 2025 عند مستويات قريبة من 4300 دولار للأونصة، وتمكن في الأيام الأخيرة من شهر يناير 2026 من تجاوز حاجز 5500 دولار، قبل أن يعود إلى مستويات قريبة من 5000 دولار.

هذا الاتجاه الصعودي للأسعار بدأ في عام 2024 وتزايد في عام 2025، حيث ارتفعت أسعار الذهب بنسبة تقارب 60%، مما أدى إلى تضاعف قيمة المعدن النفيس أكثر من مرتين خلال أقل من عامين، مسجلاً أداءً غير مسبوق في العصر الحديث.

مع هذه القفزات في الأسعار، شهدت أرباح شركات التعدين حول العالم ارتفاعاً ملحوظاً، مما دفعها لإعادة تشغيل المناجم القديمة وتوسيع عملياتها القائمة، بالإضافة إلى الاستثمار في مشاريع جديدة لتلبية الطلب المتزايد على الذهب ومواكبة هذا الزخم الاستثنائي في الأسواق.

وفقاً لبيانات ستاندرد آند بورز غلوبال إنرجي، ارتفعت ميزانيات التنقيب عن الذهب بنسبة 11% على الصعيد العالمي في عام 2025، لتصل إلى 6.15 مليار دولار أميركي.

عودة الروح لذهب جنوب أفريقيا

بحسب تقرير نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال”، فإن ارتفاع أسعار الذهب ساهم في إنعاش قطاع متعثر في جنوب أفريقيا، التي كانت تُعرف خلال القرن العشرين كـ “عاصمة الذهب” في العالم، حيث كانت تنتج ما يقرب من نصف سبائك الذهب والمجوهرات في ذلك الوقت.

لكن منذ عام 2007، تراجعت جنوب أفريقيا من موقعها كأكبر منتج للذهب في العالم إلى المرتبة الثانية عشرة، نتيجة صعوبة جذب الاستثمارات إلى هذا القطاع، حيث اعتبر المستثمرون أن المناجم هناك قديمة وعميقة وخطيرة ومكلفة.

ومع تراكم هذه العوامل، أصبحت تكلفة استخراج أونصة الذهب من المناجم في جنوب أفريقيا من بين الأعلى في العالم.

ومع ذلك، تغير هذا الوضع في عام 2025، حيث عادت مناجم جنوب أفريقيا لجذب اهتمام المستثمرين. وفقاً لرودي ديسيل، الرئيس التنفيذي لشركة “ويست ويتس ماينينغ” الأسترالية، عانت الشركة منذ عام 2021 في إيجاد تمويل لمشروع منجم “كالا شالوز”، الذي يقع على مشارف مدينة جوهانسبرغ، إذ لم يرغب المستثمرون في التحدث إلى الشركة بشأن هذا المشروع.

لكن مع بدء ارتفاع أسعار الذهب في السنوات الأخيرة، تغيرت المعادلة، وحصل المشروع على تمويل من بنك محلي ومؤسسة تمويل تنموي وشركة تعدين أميركية، وتم ضخ نحو 100 مليون دولار في المنجم، ليصبح “كالا شالوز” أول منجم ذهب جديد تحت الأرض يُشغل في جنوب أفريقيا منذ أكثر من 15 عاماً، مما يوضح كيف أعادت أسعار الذهب المرتفعة رسم خريطة الاستثمار في قطاع التعدين.

كلفة استخراج الأونصة

استخرج مشروع “كالا شالوز” أول دفعة من الذهب في أكتوبر 2025، ومن المتوقع أن يستخرج حوالي 6000 أونصة من الذهب في عام 2026، قبل أن يرتفع الإنتاج إلى نحو 70000 أونصة سنوياً بحلول عام 2029. يُعتبر سعر التعادل في المنجم، البالغ 1291 دولاراً للأونصة، أقل من أسعار التعادل في العديد من مناجم جنوب أفريقيا الكبرى، التي تعمل عادةً في مناطق أكثر عمقاً تحت الأرض وفي ظروف أكثر صعوبة.

علماً أن عمق منجم “كالا شالوز” يبلغ حالياً حوالي 60 متراً، مع خطط للوصول إلى أعماق أكبر في المستقبل.

عمالقة التعدين يتحركون

رغم أن إنتاج منجم “كالا شالوز” لن يُحدث نقلة نوعية في صناعة الذهب في جنوب أفريقيا بمفرده، إلا أنه مؤشر إيجابي على أن أسعار الذهب المرتفعة قادرة على إعادة النشاط إلى هذا القطاع المتراجع.

حالياً، تقوم شركة “هارموني غولد”، أكبر منتج للذهب في جنوب أفريقيا، بتوسيع منجم “مبونينغ”، أعمق منجم في العالم، في خطوة من شأنها أن تُضاعف عمره الافتراضي إلى أكثر من 20 عاماً. في الوقت نفسه، تُفكر شركة “سيباني-ستيلووتر”، ثاني أكبر منتج للذهب في البلاد، في إعادة فتح منجم “بيرنستون”، حيث يقول إيزاك أودندال، استراتيجي الاستثمار في شركة إدارة الصناديق “أولد ميوتشوال”، إن قطاع تعدين الذهب في جنوب أفريقيا عانى من صعوبات متتالية على مر السنين، والآن يمثل الارتفاع الكبير في الأسعار فرصة استثنائية لإنعاشه.

عقبة العمالة

ومع ذلك، يُشكل التهافت على زيادة الطاقة الإنتاجية في مناجم الذهب في جنوب أفريقيا تحديات كبيرة، أبرزها صعوبة العثور على عمالة ماهرة، مما يؤدي إلى بطء وتيرة الإنتاج وارتفاع تكاليف التشغيل وزيادة مخاطر تأخير المشاريع، وهو ما قد يقلص المكاسب المحتملة من الأسعار القياسية للذهب.

هل يعود اللقب إلى جنوب أفريقيا؟

يقول عبد الله المصري، خبير في تجارة الذهب، إن لقب “عاصمة الذهب” هو من نصيب الصين حالياً، بعد اصطدام إنتاج الذهب في جنوب أفريقيا بجدار التكاليف المرتفعة والأعماق الشديدة للمناجم. ويشير إلى أن العمل في مناجم ذات أعماق سحيقة يُشكل تحدياً مزدوجاً يجمع بين المخاطر العالية والكلفة التشغيلية الباهظة. ومع ذلك، بدأت هذه المعادلة تتغيّر تدريجياً مع الطفرات السعرية القياسية للذهب التي وفرت تدفقات نقدية ضخمة وهوامش ربح مريحة، مما سيمكن شركات التعدين في جنوب أفريقيا من الاستثمار في أحدث التقنيات والروبوتات المتقدمة القادرة على العمل في درجات حرارة مرتفعة ومساحات ضيقة وعميقة، مما يقلص المخاطر التشغيلية ويحافظ على هوامش ربح مرتفعة نسبياً.

يعتبر المصري أن جنوب أفريقيا قد تستعيد جزءاً من بريقها التاريخي في هذه الصناعة، ولكن لقب “عاصمة الذهب” لن يعود لها، حيث أن صعود أسعار الذهب إلى مستويات تاريخية لا يعني تلقائياً عودة اللاعبين القدامى إلى الصدارة، بل على العكس، إذ غالباً ما تُعيد الطفرات السعرية ترتيب الخريطة لمصلحة من يملك المرونة السياسية والمؤسساتية وليس فقط الموارد الجيولوجية. وهنا تواجه جنوب أفريقيا معضلة حقيقية، فهي تمتلك الاحتياطيات والخبرة، لكنها تفتقر إلى الزخم الجيوسياسي الذي بات يلعب دوراً حاسماً في أسواق الذهب.

تحديات هيكلية

يشرح المصري أن سوق الذهب العالمية لم تعد تُدار بمنطق الإنتاج وحده، بل أصبحت ساحة تتقاطع فيها سلاسل التوريد والجغرافيا السياسية والقدرة على توفير بيئة عمل تنظيمية مستقرة وجاذبة لرؤوس الأموال. في الوقت الذي تستفيد فيه دول مثل الصين من أطر تنظيمية مرنة واستراتيجيات دعم واضحة لهذه الصناعة، لا تزال جنوب أفريقيا تعاني من تحديات هيكلية تتعلق بعدم استقرار السياسات وتذبذب التشريعات، وضغوط الطاقة والبنية التحتية، إضافة إلى تعقيدات سوق العمل، مما يجعل عودتها إلى صدارة المشهد العالمي في صناعة الذهب أمراً غير منطقي.

يرى المصري أن جنوب أفريقيا قد تستعيد دوراً مهماً في سوق الذهب، وقد تتحول إلى قصة تعافٍ ملفتة في ظل الأسعار القياسية، لكنها لن تكون من الأوائل، حيث أصبح لقب “عاصمة الذهب” اليوم لقباً رمزياً أكثر منه واقعياً.

370 طناً تحسم اللقب

يقول الصحفي الاقتصادي جوزف فرح إن جنوب أفريقيا لم تعد لاعباً أول في الإنتاج العالمي للذهب، فالدولة الأولى حالياً هي الصين، بفارق كبير جداً لا يمكن تعويضه. تظهر بيانات مجلس الذهب العالمي وهيئة المساحة الجيولوجية الأميركية (USGS) لعام 2024 أن الصين أنتجت 370 طناً من الذهب، مقابل 100 طن لجنوب أفريقيا، وهذا الفارق يضع سقفاً لفكرة استعادة جنوب أفريقيا للقب، مشدداً على أن اللقب بات اليوم بيد من يملك النفوذ في سلسلة القيمة، من التكرير وصولاً إلى التخزين.

المصدر: https://www.skynewsarabia.com/business/1850733-%D8%AA%D8%B3%D8%AA%D8%B9%D9%8A%D8%AF-%D8%AC%D9%86%D9%88%D8%A8-%D8%A7%D9%94%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82%D9%8A%D8%A7-%D9%84%D9%82%D8%A8%D9%87%D8%A7-%D9%83%D9%80-%D8%B9%D8%A7%D8%B5%D9%85%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%B0%D9%87%D8%A8%D8%9F

About طارق الزبيدي

طارق الزبيدي خبير في التحليل السياسي من العراق، له أكثر من 20 سنة من الخبرة في الإعلام والتحليل الإخباري. بدأ مسيرته الصحفية في جريدة الصباح العراقية قبل أن ينتقل للعمل مع وسائل إعلام عربية كبرى، يركز على تقديم رؤى معمقة حول الوضع السياسي في الشرق الأوسط.

View all posts by طارق الزبيدي →

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *