الذكاء الاصطناعي وأسواق التكنولوجيا: الفرص والتحديات
في أقل من سبع ساعات، شهدت الأسواق الأميركية صدمة جديدة، حيث فقدت ما يقارب تريليون دولار، نتيجة قرارات مفاجئة للرئيس الأميركي دونالد ترامب. قرار المحكمة العليا بإلغاء جزء من الرسوم الجمركية أدى إلى سلسلة من الإجراءات الانتقامية، تضمنت تهديدًا بفرض رسوم شاملة بنسبة 15% على جميع الدول، وعقوبات صارمة ضد أي جهة تحاول استغلال حكم القضاء.
كانت ردود الفعل الدولية سريعة؛ حيث أجل الاتحاد الأوروبي التصويت على اتفاق التجارة، بينما أعلنت الصين والهند ودول أخرى عن مراجعة المفاوضات القائمة مع واشنطن.
أعادت هذه التطورات المخاوف من حرب تجارية جديدة، مما دفع المستثمرين إلى بيع أسهم التكنولوجيا وسط قلق متزايد حول فقاعة الذكاء الاصطناعي وتأثيراتها على الاقتصاد العالمي. في المقابل، ارتفعت أسعار الذهب، مسجلة أعلى مكاسبها خلال ثلاثة أسابيع، في إشارة إلى البحث عن ملاذات آمنة وسط تقلب الأسواق.
الأسواق أمام ثلاث صدمات متزامنة
قال مازن سلهب، رئيس قسم أبحاث السوق في MH Markets، خلال حديثه إلى برنامج “بزنس مع لبنى” على سكاي نيوز عربية، إن الأسواق العالمية تشهد حالة من التراجع والاضطراب بسبب ثلاثة عوامل رئيسية. العامل الأول يتعلق بالقلق من الحرب التجارية، بينما يمثل العامل الثاني الضبابية المستمرة حول تطورات الذكاء الاصطناعي. أما العامل الثالث فهو الفوضى العامة التي تثير قلق الأسواق، مع قراءة المستثمرين للتوترات الجيوسياسية وأسعار الطاقة المرتفعة.
وأشار سلهب إلى أن الأسواق تترقب نتائج المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، موضحًا أن استمرار ارتفاع أسعار النفط سيبقي التضخم عنيدًا، مما يمهد لصدام محتمل بين الرئيس الجديد للفيدرالي الأميركي والرئيس ترامب. وأضاف أن أي رئيس للفيدرالي، حتى لو كان داعمًا لترامب، لن يستطيع تقديم السياسة النقدية كما يرغب الرئيس، مؤكدًا أن الأمور في المؤسسات الدستورية الأميركية لا تجري ببساطة.
الذكاء الاصطناعي بين القيمة والمخاطر
فيما يتعلق بـ التكنولوجيا، أشار سلهب إلى مشكلتين رئيسيتين. الأولى تتعلق بالقيمة السوقية للاستثمارات في الذكاء الاصطناعي، حيث أكد أن المليارات التي تُضخ في هذا القطاع قد تكون مبالغ فيها أو لا تستحق، وأن تقييم هذه الاستثمارات سيعتمد على المستقبل. المشكلة الثانية ترتبط بمعدلات الفائدة؛ فإذا لم تُخفض بسرعة، فإن أسواق التكنولوجيا ستكون الأكثر تأثرًا مقارنة بالشركات التقليدية المدرجة في مؤشرات مثل داو جونز وS&P، نظرًا لطبيعة توسعها السريع.
وأوضح أن الأسواق التقنية قد تتراجع رغم الأرباح الحالية الجيدة، لأن الاقتصاد الأميركي، رغم الأداء الإيجابي، لا يضمن استقرار المكاسب وسط الفوضى التجارية. وأكد أن هذا الأمر يجعل من الضروري أخذ تقييم المخاطر بعين الاعتبار عند الاستثمار في هذا القطاع.
التحوط عبر الأصول الحقيقية
في ضوء هذه التحديات، اعتبر سلهب أن شراء الأصول الحقيقية والملموسة يمثل خيارًا استراتيجيًا لتقليل المخاطر الاقتصادية والجيوسياسية المحتملة. أضاف أن الذهب والفضة قد تعوض الخسائر السابقة، وأن التموضع في الأصول الملموسة سيبقى حيويًا إذا ساءت الظروف في الأسواق العالمية.
كما شدد على أن التكنولوجيا لا تزال خيارًا جيدًا لأنها الأقل تعرضًا للمخاطر الجيوسياسية في الوقت الراهن، مع احتمالية استمرار الأداء الجيد لقطاع البطاقات التكنولوجية إذا بقي الوضع مستقرًا.
تراجع الزخم في العملات المشفرة
وعن العملات الرقمية، أبرز سلهب فقدان الثقة الجزئي لعاملين أساسيين. أولاً، تراجع الزخم المرتبط بوصول الرئيس ترامب للبيت الأبيض وسياساته التسهيلية، وثانيًا، انخفاض القيمة السوقية للعملات المشفرة من أكثر من 4 تريليونات دولار قبل ستة أشهر إلى 2.1 تريليون دولار حاليًا، مما أدى إلى انخفاض البيتكوين بأكثر من 27% هذا العام. وأكد أن هذه التراجعات ليست انهيارًا للسوق بل جزءًا من طبيعة السوق المضاربي.
وأوضح أن فقدان الزخم لا يعني تراجع الثقة، بل يمثل تحديًا في تدفقات النقدية، وأن الأسواق في حالة جدل مرتفعة والتوترات تمنع شراء البيتكوين بسهولة، مشيرًا إلى أن هذا ليس الأول ولن يكون الأخير، وأن الأسواق المضاربية ستفرض السلوك السعري المعتاد.
الحذر والمرونة مفتاح النجاح
خلص مازن سلهب إلى أن المرحلة الراهنة تتطلب من المستثمرين التحلي بالمرونة، مع التركيز على الأصول الحقيقية كتحوط ضد المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية، ومتابعة قطاع التكنولوجيا بحذر، فيما تبقى العملات المشفرة ذات طبيعة مضاربية تحتاج إلى إدارة دقيقة للتقلبات. كما شدد على أن الأسواق تقرأ التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة بعين الاعتبار، مما يجعل الفهم العميق لهذه العوامل أساسياً لتقييم الاستثمارات واتخاذ القرارات المناسبة.
