Home » هل تستطيع أوروبا حسم مستقبلها الدفاعي بعيدًا عن واشنطن؟

هل تستطيع أوروبا حسم مستقبلها الدفاعي بعيدًا عن واشنطن؟

هل تستطيع أوروبا حسم مستقبلها الدفاعي بعيدًا عن واشنطن؟

أثارت دعوة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر لتعزيز التكامل الدفاعي داخل أوروبا وتقليل الاعتماد العسكري على الولايات المتحدة تساؤلات حول مدى إمكانية تحقيق هذه الرؤية في ظل التحديات الراهنة، خاصة مع المطالب الأمريكية المتكررة لدول القارة بزيادة إنفاقها الدفاعي وتولي دور أكبر داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو).

التحديات الدفاعية الأوروبية

يعتقد مراقبون ومحللون في حديثهم لموقع “سكاي نيوز عربية” أن أوروبا تواجه تحديات كبيرة في زيادة الميزانيات الدفاعية، بما في ذلك التجاذبات السياسية الداخلية، وتفاوت القدرات الصناعية والعسكرية بين الدول الأعضاء، بالإضافة إلى التنسيق اللوجستي بين جيوشها. يتطلب تعزيز التكامل الدفاعي الأوروبي بناء قدرات مشتركة عبر الصناعات العسكرية والبحث والتطوير.

تصريحات ستارمر

من منظور لندن، يمثل تعزيز التعاون الدفاعي الأوروبي فرصة لتشكيل حلف أكثر توازنًا ضمن “الناتو”، بحيث تصبح أوروبا لاعبًا رئيسيًا قادرًا على تحمل جزء أكبر من مسؤولية أمن القارة، دون الاعتماد الكامل على الوجود العسكري الأمريكي.

وفي هذا السياق، قال ستارمر في كلمته أمام منتدى ميونيخ للأمن: “هذا التوجه لا يعني الانفصال عن واشنطن، بل السعي لتحقيق تكامل أوروبي يرفع القدرة الردعية ويضمن استقرارًا طويل الأمد”.

أزمة الثقة عبر الأطلسي

تشهد المرحلة الحالية نقطة تحول تاريخية في العلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة، حيث وصلت أزمة الثقة عبر الأطلسي إلى مستويات غير مسبوقة منذ تأسيس حلف الناتو عام 1949، متأثرة بسياسات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب التي تسعى لإعادة توزيع الأعباء الدفاعية بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين.

أظهر استطلاع رأي نشره موقع “بوليتيكو” حجم التحولات في المزاج الأوروبي، حيث أعرب 57 بالمئة من الكنديين و50 بالمئة من الألمان و44 بالمئة من الفرنسيين و39 بالمئة من البريطانيين عن عدم اعتبارهم الولايات المتحدة حليفًا موثوقًا، ما اعتبره الخبراء مؤشراً على تحول نوعي وجوهري في تصور أوروبا لشريكها التاريخي عبر الأطلسي.

دعوة لبناء القوة الأوروبية

قال ستارمر: “يجب أن نبني قوتنا الصلبة، لأنها العملة الفعلية للعصر.. يجب أن نكون قادرين على ردع العدوان، وإذا لزم الأمر، يجب أن نكون مستعدين للقتال”، معتبرًا أنه “يجب وضع السياسة والاهتمامات قصيرة المدى جانبًا، والعمل معًا لبناء أوروبا أقوى وناتو أكثر أوروبية، مدعومًا بروابط أعمق بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي في الدفاع والصناعة والتكنولوجيا والسياسة والاقتصاد العام”.

واعتبر أن “الأمور تتغير؛ فاستراتيجية الأمن القومي الأمريكي توضح أن أوروبا يجب أن تتحمل المسؤولية الرئيسية عن دفاعها، وهذا هو القانون الجديد”، مشددًا على ضرورة “المضي قدمًا لبناء ناتو أكثر أوروبية.. فأوروبا، كما أراها، عملاق نائم”.

المخاوف الأوروبية

في المقابل، مد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو يده إلى أوروبا خلال خطابه بمنتدى ميونيخ للأمن، قائلًا: “مصيرنا كان ولا يزال مرتبطًا بمصيركم على نحو غير قابل للانفصال”، معتمدًا نبرة تصالحية أكثر وضوحًا مما فعله نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس قبل عام في نفس المكان، حين وجه انتقادات حادة إلى أوروبا.

وأكد روبيو أن “الولايات المتحدة تولي المستقبل المشترك أهمية كبيرة.. فإذا اختلفنا أحيانًا في الرأي، فإن هذا الخلاف ينبع من قلقنا العميق على أوروبا التي لا تربطنا بها علاقات اقتصادية وعسكرية فحسب، بل الشركاء مرتبطون أيضًا روحياً وثقافياً”.

ويأتي حديث روبيو رغم ما أثارته وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأمريكية من صدمة في أوروبا، والتي تؤسس لتغيير جذري في عقيدة واشنطن الخارجية لم تعد فيه القارة العجوز أولوية استراتيجية.

وانتزع الرئيس الأمريكي التزامًا من دول الناتو بتخصيص 5 بالمئة من إجمالي ناتجها المحلي للإنفاق المرتبط بالأمن.

دعوة للجرأة

بدوره، قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون: “هذا هو الوقت المناسب للجرأة، لأوروبا قوية، على أوروبا أن تتعلم كيف تصبح قوة جيوسياسية”.

وأوضح مساعد وزير الخارجية الأمريكي السابق للشؤون السياسية والعسكرية، مارك كيميت، أن “غالبية أعضاء الناتو مستعدون لزيادة الإنفاق الدفاعي، وإن كان ذلك على الأرجح أقل مما يُروج له”.

واعتبر كيميت في تصريحات لموقع “سكاي نيوز عربية” أن “سعي الدول الأوروبية لتحقيق هدف الرئيس ترامب برفع الإنفاق الدفاعي من 2 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي إلى 5 بالمئة سيكون إنجازًا استثنائيًا”، لكنه حذر في الوقت نفسه من أن “إذا تمكنوا من ذلك له أثر سلبي على برامج الرعاية الاجتماعية داخل هذه الدول”.

ويتفق مع ذلك، المدير السابق لشؤون مراقبة التسليح في حلف الناتو، ويليام ألبيركي، الذي قال إن المملكة المتحدة ودولًا أوروبية تسعى لتعزيز استثماراتها في القدرات النووية، في خطوة تعكس مخاوف متزايدة من احتمال تراجع التزام الولايات المتحدة بتوفير مظلة الردع النووي لحلفائها، أو انخفاض مستوى الدعم العسكري والسياسي ضمن إطار حلف “الناتو”.

وأشار ألبيركي، في حديث لـ”سكاي نيوز عربية”، إلى أن هذه التحركات الأوروبية تأتي في سياق جهود للحد من المخاطر المحتملة لأي تقليص للدور الأمريكي، وبالتالي تعمل الدول الأوروبية على تعزيز جاهزيتها العسكرية بشكل مستقل للحفاظ على توازن الردع في المنطقة.

وأضاف: “لا أعتقد أن الولايات المتحدة ستنفذ تهديدها السابق بالانسحاب من الناتو، خاصة أن هذا التهديد كان قائمًا على فكرة أن الحلفاء لا يدفعون بما فيه الكفاية للدفاع، لكن منذ الولاية الأولى لترامب، ارتفع عدد الحلفاء الذين ينفقون أكثر من 2 بالمئة من ناتجهم المحلي الإجمالي على الدفاع من 4 إلى 23 دولة”.

وشدد على أن زيادة الإنفاق الدفاعي في أوروبا يأتي إدراكًا للصعوبات الطويلة الأمد مع روسيا، والمخاوف الأمنية مستقبلًا.

وفق صحيفة “فاينانشيال تايمز”، يعتزم رئيس الحكومة البريطانية طرح فكرة إنشاء مبادرة دفاعية متعددة الجنسيات بين بريطانيا وحلفائها الغربيين، تتولى الإشراف على عمليات شراء الأسلحة المشتركة وخفض تكاليف إعادة التسلح.

وتعهدت بريطانيا وحلفاؤها في الناتو بزيادة الإنفاق الدفاعي إلى 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، إلا أن الوضع المالي الحرج للمملكة المتحدة حال دون وضع خطة واضحة لتحقيق هذا الهدف.

رسائل بريطانية

من لندن، أوضح المحلل السياسي وعضو حزب العمال البريطاني، مصطفى رجب، أن “خطاب ستارمر ليس وليد اللحظة، بل يأتي في سياق مرتبط بالحرب بين أوكرانيا وروسيا، والتقلبات المستمرة في الموقف الأمريكي تجاه الصراع، وبالتالي يهدف إلى توجيه رسائل سياسية واستراتيجية متزامنة، على المستويين الأوروبي والبريطاني”.

وأضاف رجب في تصريحات لـ”سكاي نيوز عربية” أن “الهدف الأساسي من هذا الخطاب هو مواجهة المخاوف من عدم التزام الولايات المتحدة الكامل والدائم بالدعم، ودعوة الدول الأوروبية إلى الاتحاد لمواجهة روسيا بشكل مستقل”.

ورأى رجب أن “الخطاب يحمل طابعًا مزدوجًا، على رأسها رسالة داخلية لبناء أو استعادة المصداقية في بريطانيا، ورسالة خارجية لدول الاتحاد الأوروبي والسوق الأوروبية للتأكيد على أهمية الوحدة والتضامن العسكري والسياسي في مواجهة التحديات الروسية والمخاوف الأمريكية”.

المصدر: https://www.skynewsarabia.com/world/1852950-%D8%AA%D8%AD%D8%B3%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%AC%D9%88%D8%B2-%D9%85%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%A8%D9%84%D9%87%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A-%D8%A8%D8%B9%D9%8A%D8%AF%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D8%B4%D9%86%D8%B7%D9%86%D8%9F

About ليلى العطار

ليلى العطار كاتبة عراقية متخصصة في الشؤون السياسية والإعلامية. تمتلك خبرة تمتد لأكثر من 15 سنة في الصحافة والتحليل السياسي، وعملت مع مؤسسات إعلامية بارزة في العراق والخليج. تهتم بمتابعة التطورات السياسية في المنطقة العربية وتقديم رؤى تحليلية معمقة للقراء.

View all posts by ليلى العطار →

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *