ارتفاع تكاليف الاقتصاد الرقمي بسبب اختناق رقائق الذاكرة
تتجه أسعار الهواتف الذكية والساعات الرقمية وأجهزة الكمبيوتر نحو الارتفاع، نتيجة لاختلال عميق في سوق رقائق الذاكرة (RAM)، التي تُعتبر مكوناً أساسياً في مختلف الصناعات الإلكترونية.
اختلال هيكلي في سوق الذاكرة… عنق زجاجة يضغط على الاقتصاد الرقمي
يصف مؤسس شركة AI360 للابتكارات، بشار الكيلاني، واقع سوق شرائح الذاكرة بأنه أزمة “هيكلية” وليست “لوجستية”، مميزاً بذلك بين هذه الأزمة وتلك التي شهدتها سلاسل الإمداد خلال جائحة “كوفيد-19”. حيث كانت أزمة رقائق الذاكرة آنذاك ناتجة عن تعثرات في النقل والتوريد، بينما يشير الكيلاني إلى أن الخلل الحالي مرتبط ببنية الصناعة ذاتها، وبتركيز الإنتاج في نطاق ضيق من الشركات والجغرافيا، مما يفرض ضغوطاً مستمرة على العرض والأسعار.
تمركز الإنتاج: أربع أو خمس شركات في جغرافيا واحدة
يرى الكيلاني أن جوهر الأزمة يكمن في تركّز صناعة الذاكرة لدى أربع أو خمس شركات فقط، معظمها في كوريا الجنوبية. هذا التركّز يعكس اختلالاً في ديناميكية السوق، حيث تصبح الصناعة رهينة عدد محدود من اللاعبين وفي بيئة جغرافية واحدة، مما يحدّ من مرونة العرض ويضاعف حساسية السوق لأي متغيرات تقنية أو جيوسياسية.
ويشير إلى أن بناء مصنع جديد لإنتاج الذاكرة يتطلب استثمارات تتراوح بين 15 و20 مليار دولار، بالإضافة إلى فترة تشغيل تمتد بين سنتين إلى ثلاث سنوات قبل الدخول الفعلي إلى السوق. هذه الكلفة الرأسمالية المرتفعة والزمن اللازم للتشغيل تعمّق الطابع الهيكلي للأزمة، وتجعل الاستجابة السريعة لزيادة الطلب أمراً بالغ التعقيد.
الذكاء الاصطناعي: قفزة طلب تبتلع العرض
يربط الكيلاني تصاعد الأزمة بالقفزة النوعية في الطلب الناتج عن تطبيقات الذكاء الاصطناعي. حيث تستهلك هذه التطبيقات ما بين خمسة إلى ثمانية أضعاف حجم الذاكرة المستخدم في التطبيقات التقليدية. ومع ازدياد الاعتماد على الخوارزميات والبيانات الضخمة، يتضاعف الطلب على الذاكرة بوصفها مكوناً أساسياً في البنية الحوسبية.
هذا التسارع في الطلب لم يكن متوقعاً بالوتيرة الحالية، رغم الحديث عن الذكاء الاصطناعي سابقاً. والنتيجة هي فجوة متزايدة بين سرعة نمو الطلب وقدرة العرض على الاستجابة، مما أفضى إلى ما يسميه “اختلافاً بين سرعة العرض والطلب”، وهو جوهر الإشكال الهيكلي القائم.
الجيوسياسة والبنية التحتية: ضغوط إضافية على السوق
لا يفصل الكيلاني أزمة الذاكرة عن السياق الجيوسياسي الأوسع، مشيراً إلى الصراع بين الصين والولايات المتحدة، والتسابق في بناء مراكز البيانات الكبرى، وتوسيع البنية التحتية الرقمية. هذه العوامل تضيف طبقة جديدة من الضغط على سلاسل التوريد، وتزيد من تعقيد المشهد الصناعي.
ويخلص إلى أن انعكاسات هذه الظاهرة لن تقتصر على قطاع بعينه، بل ستمتد إلى أسعار الإلكترونيات عموماً، من الهواتف إلى السيارات، وكل ما يعتمد على التكنولوجيا، وهو اليوم — كما يقول — “تقريباً كل شيء نتعامل معه”. فارتفاع كلفة المكونات الأساسية، وفي مقدمتها الذاكرة، سينعكس تباعاً على أسعار السلع.
من السلع إلى الخدمات: انتقال أثر الكلفة
يؤكد الكيلاني أن التأثير لن يتوقف عند المنتجات المادية، بل سيمتد إلى الخدمات الرقمية. فكل خدمة تعتمد على بنية تحتية رقمية، وإذا ارتفعت كلفة هذه البنية، سترتفع تلقائياً كلفة الخدمة المقدمة. ومن ثم، فإن اختلال سوق الذاكرة يتحول إلى عامل ضاغط على منظومة الاقتصاد الرقمي بأكملها.
وفي تقديره، من الصعب تحديد نسبة موحدة للارتفاعات المتوقعة في أسعار الأجهزة، لأن مساهمة الذاكرة تختلف من تطبيق إلى آخر. فبعض الأجهزة تعتمد بكثافة على الذاكرة، بينما تكون الزيادة أخف في الأجهزة التي تُدمج فيها الذاكرة ضمن شرائح المعالجة الأساسية. إلا أنه يرجّح أن يشهد السوق نقصاً في الإمدادات خلال الفترة المقبلة، مع انعكاس ذلك على أسعار العديد من السلع والخدمات.
عنق الزجاجة: سنتان إلى ثلاث سنوات من الضغوط
يقدّر الكيلاني أن السنتين إلى الثلاث المقبلة ستكون “الأصعب” وتشكل عنق الزجاجة الفعلي، قبل أن تبدأ طاقات إنتاجية جديدة وسلاسل توريد بديلة بالدخول إلى السوق. ويرى أن عدداً من الدول يتجه للاستثمار في هذا المجال، إدراكاً منها لعدم صحة تركّز الصناعة في نطاق محدود.
إلا أن هذه الاستثمارات، بحسب الكيلاني، حتى وإن انطلقت، تحتاج إلى وقت طويل وخبرة متراكمة، مشيراً إلى تميز كوريا الجنوبية في هذا القطاع تحديداً، في مقابل تركيز شركات أخرى تاريخياً على وحدات المعالجة المركزية (CPU) ووحدات معالجة الرسومات (GPU) أكثر من الذاكرة. ويستحضر هنا مرحلة سابقة كانت فيها الذاكرة تُعامل كسلعة اعتيادية (Commodity)، مع وفرة في العرض وإغراق للأسواق، مما حدّ آنذاك من جاذبية الاستثمار فيها.
فرصة استثمارية في قلب الأزمة
في ضوء التحول الجاري، يرى الكيلاني أن القطاع يطرح فرصة أمام المستثمرين للدخول، مدفوعاً بتغير معادلة العرض والطلب. فالذكاء الاصطناعي، الذي “بدأ يلتهم” أضعاف عدد الشرائح المطلوبة سابقاً، أعاد رسم خريطة الجدوى الاستثمارية للقطاع، وغيّر النظرة إليه من نشاط منخفض الهوامش إلى ركيزة استراتيجية في الاقتصاد الرقمي.
