
العراق يخطو نحو مكافحة الفساد.. اعتقالات تهز أركان الطبقة السياسية
في خطوة جريئة، كسر العراق قاعدة راسخة لطالما استعصت على الإصلاح، حيث أطلق تحالف السلطتين التنفيذية والقضائية حملة اعتقالات وصفها الناشط السياسي عمر فاروق الطائي، في حديثه لبرنامج “التاسعة” على سكاي نيوز عربية، بأنها الأولى من نوعها منذ عام 2003 في مواجهة منظومة الفساد السياسي.
تحضيرات طويلة الأمد
لم تكن ليلة الاعتقالات ارتجالاً، بل كانت نتيجة مسار طويل من التحضير الصامت. يوضح الطائي أن التحقيقات بدأت منذ نحو 9 أشهر، عندما وردت إخباريات إلى الادعاء العام وهيئة النزاهة تتعلق بالمبالغة في الصرف المالي خلال الانتخابات الأخيرة.
وكان المدخل الحقيقي لبناء الملف هو الوصول إلى وكيل وزارة النفط ومدير مصافي بيجي عدنان الجميلي، الذي شكل بداية تراكم الأدلة المالية والقضائية الملموسة.
ويلفت الطائي إلى أن توقيت الحملة ارتبط بعطلة الفصل التشريعي التي أتاحت إجراء رفع الحصانة عبر النائب الأول لرئيس البرلمان، فضلاً عن اكتمال الملفات القضائية بأدلة مالية دامغة لا تقبل الطعن.
عملية اعتقال سريعة
نفذت العملية خلال 5 ساعات متواصلة، من منتصف الليل حتى السادسة صباحاً، في ظل إغلاق المنطقة الخضراء وانتشار مكثف للقوات العسكرية، مما أوجد حالة من الذعر في أوساط الطبقة السياسية.
شملت الحملة 47 شخصية بين نائب ومسؤول بتهم فساد، في مشهد وصفه الطائي بأنه أبعد من إجراءات روتينية، بل هو إعادة رسم لحدود المساءلة داخل الدولة.
تنسيق بين الزيدي وزيدان
يكشف الطائي أن التنسيق المباشر جرى بين رئيس الحكومة علي الزيدي ورئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، بعيداً عن علم قيادات الإطار التنسيقي أو أي طرف من أطراف العملية السياسية. بل يذهب أبعد من ذلك ليقول إن بعض قادة العملية السياسية أصابهم القلق والذعر حين علموا بما جرى، وإن تأييدهم لم يأتِ إلا بعد عصر ذلك اليوم، إثر صمت مطبق طوال الصباح والظهيرة.
ويرى الطائي أن ما ميّز هذه الحكومة عن سابقاتها هو تحررها من قيد “التوازن السياسي” الذي طالما كان ذريعةً لحماية الفاسدين. فالحكومات السابقة كانت تراعي هذا التوازن في أي حملة تشنّها، أما الحكومة الحالية فتواجه ضغطاً مختلفاً: رضى الشعب ومتطلبات المجتمع الدولي الذي ربط أي دعم اقتصادي بمحاربة الفساد واسترداد المال العام.
ردع الفساد واسترداد المال
يحدد الطائي الغايتين الحقيقيتين من الحملة: استرداد الأموال المنهوبة، وإيقاف عمليات النهب المتواصلة.
ويشير إلى خيار قانوني قائم يتمثل في التسوية المالية وإدراج المتورطين ضمن قانون العفو متى شملت جرائمهم مرحلة ما قبل إقراره، بهدف تسريع الاسترداد وإنهاء المسيرة السياسية لهؤلاء أمام الرأي العام، لا الانتقام منهم.
ويكشف أن التحقيقات الجارية تمتد إلى ملفات متعددة تشمل قطاع الكهرباء، وصندوق إعادة إعمار المناطق المحررة، وعقود وزارة الدفاع، وإنفاق قمة جامعة الدول العربية، ووزارة التخطيط، مؤكداً أن منظومة الفساد تعمل كنظام “الدومينو”؛ كل متهم يجرّ خلفه آخر، وهو ما يجعل دائرة الاعتقالات مرشحة للاتساع لتشمل شخصيات سياسية ونيابية وتنفيذية إضافية.
الشارع يدعم.. لكنه يريد “الكبار”
يسجل الطائي موقف الشارع العراقي بدقة: ترحيب واسع بما جرى، غير أن المطالبات تتصاعد بتوسيع دائرة المساءلة لتطال ما وصفهم بـ”عرابي الحكم”.
ويرى أن ملاحقة هؤلاء تستلزم مزيداً من الوقت وتراكم الأدلة وتهيئة الرأي العام، مشيراً إلى أن تأييد الطبقة السياسية للحملة أثار في الأوساط الشعبية تساؤلات حول دوافعه وحدوده.
يختتم الطائي تحليله بتحذير صريح: إذا تباطأت الحملة أو توقفت، فإن الطبقة الفاسدة ستعمل على تحصين نفسها وتطوير آليات نهب أكثر إتقاناً وأصعب كشفاً، بل قد تتعمد عدم ترك أدلة.
ويرى أن اللحظة الراهنة هي لحظة ضعف نادرة لدى الفاسدين، وأن الحكومة والقضاء يواجهان رهاناً مصيرياً: إما المضي في الحملة بسرعة وحسم، وإما إفساح المجال لمنظومة الفساد لإعادة بناء نفسها بصورة أعصى على الاختراق.
