
عودة شبح الإغلاق الحكومي إلى واشنطن وسط تصاعد الصراع السياسي
يقترب شبح الإغلاق الحكومي من واشنطن مجددًا، مع تصاعد الصدام السياسي الحاد الذي يتجاوز الخلافات التقليدية حول أرقام الموازنات، ليشمل قضايا السيادة الأمنية وصلاحيات إنفاذ قوانين الهجرة.
تطورات الصراع السياسي
ومع اقتراب الموعد النهائي للتمويل، تتحول أروقة الكونغرس إلى ساحة مواجهة مفتوحة، حيث تختلط الحسابات الحزبية بالضغوط الشعبية، مما يعكس عمق الانقسام داخل النظام السياسي الأميركي.
تراقب الأسواق العالمية مسار المفاوضات بحذر، مدركة أن أي تعطّل في عمل الحكومة الفيدرالية سيؤثر على الثقة بالاقتصاد الأميركي وأدوات دينه السيادي.
بينما تبدو سيناريوهات الإغلاق مألوفة، فإن تداعياتها هذه المرة ترتبط ببيئة عالمية أكثر هشاشة وحساسية للمخاطر.
تقرير سي إن بي سي
في هذا السياق، يشير تقرير لشبكة “سي إن بي سي” الأميركية إلى أن:
- الولايات المتحدة على شفا إغلاق حكومي جزئي يبدأ عند الساعة 12:01 بعد منتصف ليل السبت.
- يرجع ذلك إلى واقعة قتل ثانية حديثة لمواطن أميركي على يد عناصر فيدرالية في مينيابوليس.
- سيكون هذا الإغلاق مختلفًا عن إغلاق العام الماضي.
مقتل أليكس بريتي، وهو ممرض عناية مركزة يبلغ من العمر 37 عامًا، أشعل معارضة ديمقراطية شرسة في مجلس الشيوخ ضد مشروع قانون أقرّه مجلس النواب يوفّر تمويلاً لوزارة الأمن الداخلي وعدد كبير من الوكالات الأخرى.
الحزمة التي تتجاوز قيمتها 1.2 تريليون دولار مرّت في مجلس النواب الأسبوع الماضي، وتمثل الجزء الأكبر من الإنفاق الحكومي للسنة المالية التي تنتهي في 30 سبتمبر.
وسيكون دعم الديمقراطيين ضروريًا لتمرير المشروع، إذ يحتاج إلى 60 صوتًا لتجاوز التعطيل الإجرائي في مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الجمهوريون بأغلبية 53 مقابل 47.
يطالب الديمقراطيون بحذف الجزء الخاص بوزارة الأمن الداخلي مقابل أصواتهم، وهو ما أشار الجمهوريون إلى أنهم لن يوافقوا عليه.
زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ تشاك شومر، الديمقراطي عن نيويورك، ألمح يوم الثلاثاء إلى أن تراجع إدارة ترامب مؤخرًا عن إجراءاتها المتعلقة بالهجرة في مينيسوتا لن يكون كافيًا لسحب التهديد بالإغلاق، مما يزيد من احتمالات حدوثه.
قال شومر في كلمة ألقاها في قاعة مجلس الشيوخ: “يجب أن يأتي الحل من الكونغرس؛ لا يمكن للجمهور أن يثق في أن الإدارة ستفعل الصواب من تلقاء نفسها”.
وأضاف: “في هذه الأثناء، سأصوّت ضد أي تشريع يموّل وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك (ICE) إلى أن يتم كبحها وإصلاحها، وديمقراطيو مجلس الشيوخ موحّدون إلى حد كبير بشأن هذه القضية. وإذا أصرّ زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ على طرح تصويت على تشريع وزارة الأمن الداخلي وهو يعلم أنه لن يمر، فإنه سيضمن إغلاقًا حكوميًا آخر غير ضروري هذا الجمعة”.
إذا أدخل مجلس الشيوخ أي تعديل على المشروع، فسيتعيّن إعادة إقراره من قبل مجلس النواب، الذي دخل في عطلة مقررة مسبقًا ولم يعلن عن خطط للعودة قبل الموعد النهائي.
إلى جانب وزارة الأمن الداخلي، سيموّل المشروع وزارات الدفاع والخزانة والخارجية والصحة والخدمات الإنسانية والعمل والإسكان والتنمية الحضرية والنقل والتعليم.
إذا لم يُقرّ المشروع قبل الموعد النهائي ليل الجمعة، فستُحرم تلك الوكالات من التمويل وتدخل في وضع الإغلاق، مما يعني منح الموظفين “غير الأساسيين” إجازات قسرية، بينما يواصل الموظفون “الأساسيون” العمل من دون أجر. أما بقية مؤسسات الحكومة فستبقى مفتوحة بفضل قوانين إنفاق سبق أن وقّعها الرئيس دونالد ترامب.
سيناريو مُسعر مسبقاً
يقول رئيس قسم الأسواق العالمية في شركة Cedra Markets، جو يرق، لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”:
- سيناريو الإغلاق الحكومي في الولايات المتحدة أصبح إلى حدٍّ كبير مُسعّرًا في الأسواق.
- التقديرات تشير إلى احتمال يقارب 80 بالمئة لحدوث إغلاق حكومي، وهو ما يفسر تعامل الأسواق بحالة من اللامبالاة النسبية مع هذا الملف، في ظل قناعة المستثمرين بأن اتفاقًا سياسيًا سيُبرم في نهاية المطاف.
- هذا الوضع، رغم اعتياديته الظاهرية، ينعكس سلبًا على الثقة بالدولار الأميركي وسندات الخزانة.
- موجة بيع السندات وضعف الدولار تعود جزئيًا إلى تداعيات الإغلاق الحكومي، إلى جانب تنامي مخاوف المستثمرين من أداء الاقتصاد الأميركي والسياسات التي تنتهجها إدارة الرئيس دونالد ترامب.
يوضح أن عدم الاستقرار في القرارات السياسية والمالية، وحالة اللامبالاة التي تطغى على إدارة الملفات الحساسة، تؤثر بشكل مباشر على معنويات المستثمرين، وتؤدي إلى تآكل الثقة الدولية بالاقتصاد الأميركي، لافتًا إلى أن الولايات المتحدة باتت تعيش ما يشبه “موسماً متكرراً” من الأزمات، ما بين سياسات الاحتياطي الفيدرالي وأزمات الإغلاق الحكومي المتلاحقة.
ويتابع يرق أن وتيرة الإغلاقات الحكومية أصبحت أكثر تكرارًا مقارنة بالسابق، مع غياب الوضوح بشأن مدتها أو حجم الخسائر الاقتصادية والتضحيات السياسية التي قد يقدمها الحزبان للوصول إلى اتفاق، معتبرًا أن سندات الخزانة الأميركية هي الطرف الأكثر تضررًا من هذا المشهد غير المستقر.
ويختم بالإشارة إلى تصريحات وزير الخزانة الأميركية الأخيرة، مؤكدًا أن مستويات الدين الأميركي التي تقترب من 38 تريليون دولار، وربما تتجاوزها، تشكل عامل ضغط إضافي على المالية العامة، بما ينعكس في صورة عجز أكبر، وإصدارات إضافية من السندات، وضغوط متزايدة على الدولار الأميركي.
خطر متزايد
إلى ذلك، يشير تقرير لـ “نيوزويك” إلى تزايد خطر إغلاق الحكومة الفيدرالية مع تصاعد الخلاف بين الديمقراطيين والجمهوريين حول تمويل إدارة الهجرة والجمارك، لافتاً إلى أن النقاش اشتد بعد حوادث إطلاق النار المميتة في مينيابوليس على يد عملاء فيدراليين، مما أدى إلى دفعات تشريعية على مستوى الولايات لكبح جماح إنفاذ قوانين الهجرة وتعميق الانقسامات الحزبية في واشنطن.
- أدت وفاة أليكس بريتي ورينيه جود في مينيابوليس إلى تسريع جهود الديمقراطيين لتقييد أساليب الهجرة الفيدرالية.
- تعمل الولايات التي يقودها الجمهوريون على تطوير إجراءات لتوسيع التعاون مع إدارة الهجرة والجمارك.
- يقول أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيون، بمن فيهم إيمي كلوبوشار وآدم شيف وكريس مورفي، إنهم لن يدعموا تمويل وزارة الأمن الداخلي بدون إصلاحات، بينما يصف الجمهوريون مثل ليندسي غراهام هذا الموقف بأنه متهور.
- وتشير أسواق التنبؤ الآن إلى أن احتمالية الإغلاق تتجاوز 75 بالمئة، وقد ارتفعت بشكل حاد بعد حادثة إطلاق النار في مينيابوليس.
- يتعين على الكونغرس إقرار مشروع قانون التمويل بحلول 30 يناير لتجنب الإغلاق، مع تأجيل تصويت مجلس الشيوخ بالفعل بسبب سوء الأحوال الجوية.
المؤشرات الراهنة
من جانبه، يقول خبير أسواق المال، محمد سعيد، لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”:
- المؤشرات الراهنة تبدو حاسمة في دفع الحكومة الأميركية نحو سيناريو إغلاق جزئي جديد مع نهاية شهر يناير 2026، وتحديدًا عند منتصف ليل 30 يناير.
- أسواق التوقعات ترفع احتمالية حدوث الإغلاق إلى نحو 80 بالمئة.
- جوهر الأزمة لا يقتصر على خلاف مالي تقليدي حول بنود الإنفاق، إنما يعكس مأزقًا سياسيًا عميقًا تفجّر عقب حوادث إطلاق نار مؤسفة في مدينة مينيابوليس تورطت فيها عناصر فيدرالية، وهو ما دفع الديمقراطيين إلى اتخاذ مواقف أكثر تشددًا في مواجهة إدارة ترامب.
