
ما بعد توم براك: هل يمثل تحولاً في سياسة الولايات المتحدة تجاه سوريا؟
مع انتهاء مهمة المبعوث الأميركي إلى سوريا، توم براك، تتجه الأنظار نحو التحولات العميقة التي قد تطرأ على مقاربة واشنطن للملف السوري، في وقت تشهد فيه المنطقة تعقيدات أمنية وسياسية واقتصادية متزايدة.
تحليل التحول في السياسة الأميركية
يعتبر فادي حيلاني، مدير برنامج الشرق الأوسط في المجلس الوطني للعلاقات العربية الأميركية، أن خروج براك من منصبه لا يُعتبر تراجعاً أميركياً أو مؤشراً على أزمة في إدارة الملف، بل هو انتقال من مرحلة “الإدارة الاستثنائية” إلى دمج سوريا ضمن رؤية أميركية أوسع للشرق الأوسط.
وفي حديثه مع “غرفة الأخبار” على “سكاي نيوز عربية”، أشار حيلاني إلى أن انتهاء مهام براك يعكس “تحولاً واضحاً في السياسة الأميركية”، موضحاً أن منصب المبعوث الخاص غالباً ما يرتبط بملفات مؤقتة أو أزمات تحتاج إلى معالجة استثنائية.
وبهذا المعنى، فإن عدم تعيين مبعوث أميركي جديد يعني أن واشنطن لم تعد تعتبر سوريا “مشكلة قائمة بحد ذاتها”، بل جزءاً من “عقدة إقليمية” أكبر.
سوريا كجزء من المنظومة الإقليمية
يرى حيلاني أن المقاربة الأميركية الحالية تنطلق من اعتبار سوريا “جزءاً وعقدة محورية” في منظومة الشرق الأوسط، وليس ملفاً منفصلاً عن بقية التوازنات الإقليمية. ويشير إلى أن واشنطن باتت تنظر إلى الملفات السورية بوصفها متداخلة مع ملفات تركيا والعراق، سواء في ما يتعلق بملف الأكراد أو مكافحة تنظيم داعش.
كما يوضح أن مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد وما رافقها من مخاوف مرتبطة بعودة النفوذ الإيراني أو تنامي نشاط داعش، فرضت الحاجة إلى وجود مبعوث خاص لإدارة هذه التعقيدات. وقد لعب براك دوراً محورياً في تسهيل دمج “قوات سوريا الديمقراطية” ضمن مؤسسات الدولة السورية الجديدة.
مقاربة سياسية بدلاً من الانخراط العسكري
وفقاً لحيلاني، فإن التحول الأبرز في السياسة الأميركية تجاه سوريا يتمثل في الانتقال من المقاربة العسكرية إلى المقاربة السياسية والاستراتيجية. حيث انسحبت الولايات المتحدة عسكرياً من سوريا، لكنها تسعى للحفاظ على شبكة علاقات سياسية تتيح للدولة السورية إدارة ملفات الأمن بنفسها.
ويضيف أن واشنطن لا ترغب في أن تبقى العلاقة مع دمشق قائمة على التدخل المباشر، بل على دعم الدولة السورية لتكون قادرة على التعامل مع تلك الملفات بصورة مستقلة.
مفاوضات مباشرة مع إسرائيل
في إطار المقاربة الأميركية الجديدة، يشير حيلاني إلى أن واشنطن تدفع باتجاه العلاقات والمفاوضات المباشرة بين دول المنطقة وإسرائيل، دون الحاجة إلى مبعوثين أميركيين خاصين. ويستشهد بالنموذج اللبناني، حيث تسهل الولايات المتحدة المفاوضات المباشرة بين الحكومة اللبنانية وإسرائيل.
ويعتقد أن سوريا تُدفع أيضاً نحو هذا المسار، حيث شهدت الأشهر الماضية بداية اتصالات ومفاوضات مباشرة مع الجانب الإسرائيلي، مع توقعات بأن تحمل المرحلة المقبلة مزيداً من هذا النوع من التفاوض.
ختام التحليل
في ختام حديثه، يؤكد حيلاني أن المرحلة المقبلة يجب أن تتجه نحو “تمأسس” العلاقة بين سوريا والولايات المتحدة عبر القنوات الدبلوماسية التقليدية، معتبراً أن وجود سفير أميركي في دمشق وسفير سوري في واشنطن سيكون خطوة نحو علاقة أكثر استقراراً بين الدولتين ضمن منظومة إقليمية أوسع.
