ترامب ونفط فنزويلا: طموحات تواجه واقعاً متهالكاً
تتجه الأنظار اليوم نحو العاصمة الفنزويلية “كاراكاس” في ظل التطورات السياسية المتسارعة التي تشهدها البلاد. وقد ظهرت آثار هذه الأحداث على الصعيد الاقتصادي، حيث تعهدت الولايات المتحدة بإعادة إحياء قطاع الطاقة الفنزويلي من خلال استثمارات ضخمة تصل إلى مليارات الدولارات.
التعهدات الأميركية
كشف الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن اتفاق يقضي بتسليم الولايات المتحدة ما يصل إلى 50 مليون برميل من النفط الفنزويلي، مؤكداً أن العائدات ستُدار تحت إشرافه لضمان استخدامها لصالح شعبي البلدين. يأتي هذا في وقت يستعد فيه البيت الأبيض لعقد اجتماع مع كبار شركات النفط الأميركية لمناقشة ضخ استثمارات كبيرة في البنية التحتية للطاقة في فنزويلا.
واقع ميداني معقد
لكن الطموحات الأميركية تصطدم بواقع ميداني معقد، إذ تواجه الصناعة النفطية في فنزويلا إرثاً ثقيلاً من التدهور الهيكلي ونقص الاستثمار، بالإضافة إلى بنية تحتية متهالكة وديون ضخمة ومخاطر سياسية وقانونية قائمة. هذه التحديات تجعل عودة الشركات الكبرى إلى “حزام أورينوكو” الغني بالنفط رهناً بحسابات دقيقة للمخاطر مقابل العوائد في سوق عالمية تتسم بالتقلب والحذر.
تساؤلات ملحة
تطرح التساؤلات الملحة حول مستقبل هذا الملف: هل تستطيع واشنطن والشركات الأميركية ضخ الاستثمارات الهائلة اللازمة لترميم البنية التحتية المنهارة في وقت قياسي؟ وكيف ستوازن الشركات العالمية بين إغراء الاحتياطيات الضخمة وبين مخاطر عدم الاستقرار السياسي والقانوني الذي لا يزال يخيم على البلاد؟
تحديات العودة ومراهنات السوق
وفقاً لتقرير نشرته صحيفة “ذي تايمز” واطلعت عليه “سكاي نيوز عربية”، فإن المساعي الرامية لإعادة عمالقة النفط الأميركيين إلى فنزويلا تواجه عقبات تقنية ومالية معقدة. الفجوة بين الطموح السياسي والواقع الميداني تتسع عند النظر إلى حالة البنية التحتية، حيث يقول خورخي ليون، رئيس تحليل الجغرافيا السياسية في شركة “ريستاد إنرجي”: “هناك مشكلات جوهرية، أولها نقص الاستثمار في البنية التحتية، فشركة النفط الوطنية محطمة تماماً ولم تشهد أي استثمارات، ناهيك عن تفشي الفساد، لذا، فإن إصلاح البنية التحتية ضرورة قصوى، وهي عملية مكلفة للغاية”.
رغم امتلاك فنزويلا أكبر احتياطيات مؤكدة في العالم بنسبة 17 بالمئة من الإجمالي العالمي، شهدت البلاد انهياراً في إنتاجها من 3.4 مليون برميل يومياً في عام 1998 إلى نحو 903 آلاف برميل فقط في عام 2024.
أرقام وتوقعات
تشير تقديرات “ريستاد إنرجي” إلى أن التكلفة التقديرية لإحياء الصناعة والوصول إلى 2 مليون برميل يومياً تبلغ 110 مليارات دولار وخمس سنوات على الأقل في ظل قيادة مستقرة. للوصول إلى 3 مليون برميل يومياً، يتطلب الأمر 190 مليار دولار، ولن يكون ذلك ممكناً قبل عام 2040. وقد تصل التكلفة إلى 200 مليار دولار، في عملية قد تستغرق أكثر من عشر سنوات.
في هذا السياق، أوضح مراقبون أن انخفاض أسعار النفط الحالية، التي تحوم حول 60 دولاراً للبرميل، قد يحد من شهية الشركات الكبرى للمخاطرة. وفقاً لإيرين هيمونا، رئيسة قطاع النفط والغاز الأوروبي في شركة الوساطة “بيرنشتاين”: “انخفاض أسعار النفط قد فرض انضباطاً أكبر في رأس المال بين كبرى شركات النفط في العالم، مع التركيز على القيمة بدلاً من النمو”.
غياب اليقين بشأن الأطر التنظيمية
علاوة على ذلك، يظل غياب اليقين بشأن الأطر التنظيمية، مثل الحوافز الضريبية وترتيبات تقاسم الأرباح، حجر عثرة أمام الشركات التي سبق وأن تعرضت أصولها للمصادرة في فترات سابقة. بينما تمتلك هذه الشركات خبرة جيولوجية في الحقول الفنزويلية، إلا أن حالة عدم الاستقرار القائمة تجعل من الصعب الالتزام برؤوس أموال ضخمة في المدى القريب.
صراع الهيمنة وأمن الطاقة
أكد مستشار الطاقة الدولي عامر الشوبكي أن مراهنة الرئيس ترامب على النفط الفنزويلي تنطوي على تعقيدات ومفاجآت تتجاوز سقف الخطاب السياسي المعلن. أوضح الشوبكي أن الرهان الاستراتيجي لواشنطن يتجاوز مجرد الاستخراج، ليصل إلى إدخال فنزويلا ضمن معادلة “هيمنة الطاقة الأميركية” لتقليل الاعتماد على نفط الشرق الأوسط وروسيا، وزيادة المعروض العالمي لخفض الأسعار على المدى المتوسط.
شدد الشوبكي على أن الأزمة الحقيقية في فنزويلا تكمن “فوق الأرض” لا تحتها، فبينما تمتلك البلاد ثروات هائلة وواعدة من النفط والغاز والذهب والحديد، تعاني البنية التحتية من تهالك حاد، ويواجه القطاع “فساداً مؤسسياً وزيفاً في الكفاءات”، بالإضافة إلى مخاطر أمنية عالية. وصف الشوبكي الطريق نحو إحياء هذا القطاع بأنه “مليء بالمطبات وغير متوقع”، خاصة في ظل احتمالات وجود حركات داخلية قد تزعزع الاستقرار، وهو ما يتنافى مع المبادئ الأساسية لجذب الاستثمار.
مخاطر الاستثمار
وعن القدرات التشغيلية، أشار الشوبكي إلى أن الاحتياطي الضخم (303 مليار برميل) لا يصنع إنتاجاً، مما يعكس التحديات الكبيرة التي تواجهها فنزويلا في إعادة إحياء قطاعها النفطي.
