Home » تحليل: تحالف أميركي إثيوبي يعيد تشكيل القرن الإفريقي في ظل تراجع بورتسودان

تحليل: تحالف أميركي إثيوبي يعيد تشكيل القرن الإفريقي في ظل تراجع بورتسودان

تحليل: تحالف أميركي إثيوبي يعيد تشكيل القرن الإفريقي في ظل تراجع بورتسودان

تعتبر الولايات المتحدة اليوم إثيوبيا قوة إقليمية صاعدة يمكن الاستفادة منها في إعادة تشكيل التوازنات الأمنية والسياسية في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، بعد سنوات من التوتر الذي شاب العلاقة بين البلدين بسبب حرب تيغراي.

تحول في المقاربة الأميركية

يكشف التقارب المتسارع بين واشنطن وأديس أبابا عن تحول عميق في الاستراتيجية الأميركية تجاه المنطقة، حيث انتقلت من إدارة الأزمات إلى بناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد في واحدة من أكثر الساحات الجيوسياسية حساسية في العالم.

وقد تجسد هذا التحول من خلال توقيع “إطار الحوار الثنائي المنظم” بين البلدين في واشنطن، في خطوة تعكس انتقال العلاقة من مرحلة استعادة الثقة السياسية إلى تأسيس شراكة متعددة المستويات تشمل الأمن والدفاع والاقتصاد والتنسيق الإقليمي.

لم تقتصر اللقاءات التي رافقت الاتفاق على الدبلوماسيين ووزراء المال والاقتصاد، بل شملت أيضاً مسؤولين عسكريين وأمنيين من وزارة الدفاع الأميركية والقيادة العسكرية الأميركية في إفريقيا “أفريكوم”، مما يعكس إدراكاً أميركياً متزايداً بأن القرن الإفريقي يتحول بسرعة إلى واحدة من أكثر ساحات النفوذ الدولي حساسية.

عودة النفوذ الأميركي

لسنوات طويلة، كانت واشنطن تنظر إلى القرن الإفريقي من منظور أمني ضيق يرتبط بمكافحة الإرهاب وحماية الملاحة الدولية، لكن البيئة الجيوسياسية المحيطة بالمنطقة تغيرت بشكل جذري.

النفوذ الدولي المنافس يتمدد بوتيرة متسارعة عبر مشاريع البنية التحتية والاستثمارات الكبرى، ويسعى إلى تثبيت حضوره الأمني والعسكري في إفريقيا، بينما تحولت الاضطرابات في البحر الأحمر إلى تهديد مباشر لحركة التجارة العالمية.

في الوقت نفسه، يواجه السودان انهياراً داخلياً واسعاً، بينما لا تزال الصومال واليمن تمثلان بؤرتين مفتوحتين للهشاشة الأمنية.

وسط هذا المشهد، تبدو إثيوبيا بالنسبة للولايات المتحدة أقرب إلى مركز ثقل إقليمي منها إلى مجرد حليف تقليدي، حيث تمتلك واحداً من أكبر الجيوش الإفريقية، وتضم أكثر من 120 مليون نسمة، كما تستضيف مقر الاتحاد الإفريقي، فضلاً عن موقعها الاستراتيجي المؤثر في توازنات البحر الأحمر وشرق إفريقيا وحوض النيل.

الأمن أولاً

على الرغم من أن الاتفاق الأميركي الإثيوبي يتحدث عن الاقتصاد والاستثمار والتنسيق السياسي، فإن جوهر التحول الحقيقي يكمن في البعد الأمني والعسكري.

تسعى الولايات المتحدة إلى إعادة بناء شبكة نفوذها في شرق إفريقيا بعد سنوات من التراجع النسبي أمام تمدد قوى دولية وإقليمية أخرى، بينما تحاول إثيوبيا إعادة تأهيل مؤسستها العسكرية بعد الاستنزاف العنيف الذي خلفته حرب تيغراي.

في هذا السياق، جاء الانفتاح العسكري بين الجانبين ليشمل ملفات حساسة، مثل تبادل المعلومات الاستخباراتية، ومكافحة الإرهاب، وتطوير أنظمة القيادة والسيطرة، إضافة إلى أمن البحر الأحمر ودعم القدرات العسكرية والتقنية الإثيوبية.

يبدو واضحاً أن واشنطن تنظر إلى الجيش الإثيوبي كأحد الأصول الاستراتيجية القليلة القادرة على لعب دور إقليمي واسع في بيئة تتجه نحو مزيد من الاضطراب.

معركة البحر الأحمر

لا يمكن فصل التحول الأميركي تجاه إثيوبيا عن التوترات المتصاعدة في البحر الأحمر، الذي تحول خلال العامين الأخيرين إلى ساحة تنافس دولي مفتوحة.

تهديدات الحوثيين على سواحل البحر الأحمر، وهجمات القراصنة التي استهدفت الملاحة الدولية قرب باب المندب، أعادت إلى الواجهة أهمية السيطرة على الممرات البحرية الحيوية، مما دفع القوى الكبرى إلى إعادة تقييم تموضعها العسكري والسياسي في المنطقة.

تكتسب إثيوبيا أهمية خاصة، رغم أنها دولة حبيسة منذ انفصال إريتريا عام 1993، حيث لم تعد تتعامل مع ملف الوصول إلى البحر كقضية اقتصادية فحسب، بل كجزء من عقيدتها الجيوسياسية الجديدة.

هذا وقد أثار الاتفاق الإثيوبي مع “صومال لاند” بشأن استخدام ميناء بربرة اهتماماً إقليمياً ودولياً، لأنه كشف عن تحول الطموح البحري الإثيوبي إلى مشروع استراتيجي طويل المدى، كما أكد أهمية حصول إثيوبيا على منفذ دائم بالبحر الأحمر.

تدرك واشنطن أن أي ترتيبات مستقبلية لأمن البحر الأحمر لن تكون مستقرة دون إشراك قوة بحجم إثيوبيا، خصوصاً في ظل تنامي النفوذ الصيني قرب جيبوتي وباب المندب.

المال والنفوذ

بعيداً عن العناوين الأمنية، تدرك الولايات المتحدة أن المنافسة الحقيقية في إفريقيا لم تعد تُحسم بالقواعد العسكرية فقط، بل بالنفوذ الاقتصادي طويل الأمد.

لذا، يركز الاتفاق الجديد على دعم الإصلاحات الاقتصادية الإثيوبية، وتشجيع الاستثمارات الأميركية في قطاعات الطاقة، والبنية التحتية، والتكنولوجيا، والطيران.

تظهر واشنطن اهتماماً متزايداً بمشروعات استراتيجية كبرى، مثل مشروع مطار بيشوفتو الدولي، الذي يُشيَّد بتكلفة إجمالية تبلغ 12.5 مليار دولار، ومن المقرر افتتاحه عام 2030 بطاقة أولية تصل إلى 60 مليون مسافر سنوياً، مع خطط للتوسع لاحقاً إلى 110 ملايين مسافر، في إطار سعي إثيوبيا لتحويله إلى أكبر مركز إقليمي للنقل والخدمات اللوجستية في إفريقيا.

رغم الأزمات الداخلية، لا تزال إثيوبيا تمثل واحدة من أكبر الأسواق الإفريقية وأكثرها جذباً للتنافس الدولي، خصوصاً مع استمرار معدلات النمو الاقتصادي عند مستويات مرتفعة نسبياً مقارنة بالعديد من دول القارة.

إثيوبيا تستثمر التحولات الدولية

يرى الباحث الإثيوبي المتخصص في شؤون القرن الإفريقي ممّار أيالو ديميكي أن المنطقة دخلت مرحلة “إعادة تموضع دولي” تتنافس فيها القوى الكبرى على النفوذ والممرات البحرية ومراكز التأثير السياسي.

يقول ديميكي إن إثيوبيا تحاول استثمار موقعها الجغرافي وثقلها الديموغرافي للتحول من دولة تواجه أزمات داخلية إلى لاعب إقليمي يصعب تجاوزه في معادلات الأمن والاقتصاد بشرق إفريقيا.

شريك استراتيجي لواشنطن

في الاتجاه ذاته، اعتبر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأميركي (CSIS) أن الولايات المتحدة باتت تنظر إلى إثيوبيا كشريك استراتيجي لا يمكن التخلي عنه، خصوصاً مع تصاعد المنافسة الدولية والإقليمية في القرن الإفريقي.

وأشار المركز إلى أن أي تراجع أميركي في الانخراط داخل إثيوبيا سيمنح القوى المنافسة مساحة أوسع لإعادة تشكيل موازين النفوذ في شرق إفريقيا والبحر الأحمر.

السودان خارج المعادلة

في مقابل الصعود الإثيوبي المتدرج، يبدو السودان غارقاً في مسار معاكس تماماً.

الحرب التي دخلت عامها الرابع أدت إلى إنهاك مؤسسات الدولة، وتدمير أجزاء واسعة من البنية التحتية، وتعميق الانهيار الاقتصادي، في وقت تتحرك فيه دول الإقليم لإعادة بناء تحالفاتها وشبكات نفوذها الدولية.

بينما توسع أديس أبابا شراكاتها العسكرية والاقتصادية مع القوى الكبرى، يتراجع الحضور السوداني تدريجياً داخل المعادلات الإقليمية، مما يفتح الباب أمام اتساع الفجوة الاستراتيجية بين الخرطوم وأديس أبابا.

من شأن التقارب الأميركي الإثيوبي أن يفتح المجال أمام مقاربات أكثر مرونة لعدد من الملفات الداخلية والإقليمية المعقدة، تشمل الاستقرار الداخلي والتوترات مع السودان وإريتريا، وصولاً إلى الخلافات المرتبطة بملف سد النهضة، في وقت تبدو فيه واشنطن حريصة على ترسيخ شراكتها الاستراتيجية الجديدة مع إثيوبيا.

خرائط جديدة للقوة

ما يجري اليوم بين واشنطن وأديس أبابا يتجاوز حدود اتفاق ثنائي أو تقارب مرحلي فرضته الظروف السياسية.

تتحرك الولايات المتحدة لإعادة بناء موقعها داخل منطقة أصبحت مركزاً حيوياً للصراع الدولي على الممرات البحرية والطاقة والنفوذ العسكري، بينما ترى إثيوبيا في هذا الانفتاح فرصة تاريخية لإعادة تثبيت نفسها كقوة إقليمية محورية.

السؤال الذي يطرح نفسه الآن ليس ما إذا كانت واشنطن قد عادت إلى إثيوبيا بالفعل، بل إلى أي مدى يمكن أن تذهب هذه الشراكة في إعادة صياغة موازين القوة حول البحر الأحمر والقرن الإفريقي خلال السنوات المقبلة.

المصدر: https://www.skynewsarabia.com/middle-east/1869812-%D8%AA%D8%AD%D9%84%D9%8A%D9%84-%D8%AA%D8%AD%D8%A7%D9%84%D9%81-%D9%8A%D8%B9%D9%8A%D8%AF-%D8%B1%D8%B3%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82%D9%8A-%D9%88%D8%B3%D8%B7-%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AC%D8%B9-%D8%A8%D9%88%D8%B1%D8%AA%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86

About ندى الشمري

ندى الشمري كاتبة سعودية متخصصة في الإعلام الرقمي وصناعة المحتوى. عملت مع منصات إعلامية رائدة في منطقة الخليج العربي، تهتم بالكتابة عن التكنولوجيا والمجتمع والتطورات الثقافية في العالم العربي، ولديها أسلوب جذاب يناسب القراء الشباب.

View all posts by ندى الشمري →

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *