
مسيحيو السودان: بين الإيمان والتحديات المتزايدة
في صباح الخامس والعشرين من ديسمبر 2025، بينما كانت الأجراس تقرع في كنائس العالم احتفالاً بعيد الميلاد، تعرض مصلون في قرية جلود بجبال النوبة، جنوب كردفان، لقصف جوي من طائرات مسيّرة تابعة للجيش السوداني، مما أسفر عن مقتل وإصابة 31 شخصاً.
حادثة مؤلمة في يوم عيد
كان التجمع في ذلك اليوم عيداً دينياً، حيث يشكل المسيحيون نحو 45% من سكان المنطقة. وفي حادثة مشابهة قبل أسابيع، استهدفت طائرتان مسيّرتان مركزاً صحياً في منطقة كومو بمقاطعة هيبان، حيث يتلقى الطلاب العلاج، وغالبية المتواجدين هناك من أبناء الطائفة المسيحية.
تروي سيدة من المنطقة لـ”سكاي نيوز عربية”: “كنت هنا مع بعض الجيران والأصدقاء للعلاج، وفجأة تعرضنا لقصف. لم نعرف كيف نتصرف، فهربنا، لكن بعض المواطنين والطلاب أصيبوا، وعندما حاول البعض إسعافهم، تعرضوا لقصف آخر، مما أدى إلى مقتل عدد كبير منهم”.
شهادات مؤلمة
حصلت “سكاي نيوز عربية” على شهادة مؤلمة من والدة الطفلة مارثا، التي قُتلت في القصف، حيث قالت: “هرعنا إلى مكان الانفجار، ولم أتخيل أن ابنتي ستكون بين الضحايا. وجدت جثتها في الساحة خارج المركز الصحي”.
وفقاً لإحصائية من الحركة الشعبية لتحرير السودان، ارتفع عدد القتلى في قصف كومو إلى 46 شخصاً، بينهم 19 طالباً و8 أطفال، بينما بلغ عدد الجرحى 22.
تحديات مستمرة
ما حدث في جبال النوبة ليس حادثاً معزولاً، بل هو جزء من نمط ممنهج من الاستهداف يمتد إلى المدن. منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، تعيش الأقلية المسيحية في السودان تحديات متزايدة، حيث لم يعد الخطر محصوراً في الانتماء السياسي، بل أصبح يتعلق بالإيمان نفسه.
يقول جاتيكا أموجا دلمان، القيادي بالحركة الشعبية: “منذ وصول الحركة الإسلامية إلى السلطة عام 1989، بدأ التضييق على المسيحيين والكنائس، حيث تم دفعهم نحو معسكرات النزوح”. وقد استمر هذا التضييق على مدى عقود، حيث لم تُصادق الدولة السودانية على بناء أي كنيسة منذ عام 1987.
الواقع الحالي
في عام 2020، أعلنت الحكومة الانتقالية عن موافقتها على بناء 14 كنيسة، لكن هذه الخطوة لم تُنفذ بسبب الانقلاب العسكري. وفي 25 أكتوبر 2021، أطاح انقلاب عسكري بالحكومة الانتقالية، مما أعاد الإسلاميين إلى مفاصل الدولة.
يضيف دلمان: “ما زالت عملية استهداف دور العبادة مستمرة، ومع اندلاع الحرب، تحولت أدوات التضييق إلى عنف مباشر وقصف من الجو”.
تم هدم 13 كنيسة في الخرطوم ومناطق أخرى منذ سيطرة الجيش السوداني على المدينة في مارس 2025، مما أدى إلى تهجير أكثر من 35 ألف مسيحي من العاصمة وحدها.
استهداف دور العبادة
تقول سيدة من جبال النوبة مقيمة في الخرطوم: “رحلونا لغرب السودان، لماذا لم يتم هدم منطقة اللؤلؤة؟”. وقد جرى الهدم بذريعة إزالة السكن العشوائي، رغم أن الكنائس المستهدفة كانت قائمة وتؤدي شعائرها الدينية.
في مدينة بورتسودان، حيث انتقلت الحكومة بعيداً عن جبهات القتال، ظهرت رسائل تهديد مختلفة، حيث كُتبت عبارات دينية بالطلاء الأحمر على جدران كنيستين من أقدم دور العبادة في المدينة.
تقدر أعداد المسيحيين في السودان بنحو مليوني شخص، أي حوالي 4% من السكان، ويعكس واقعهم نمطاً ممنهجاً من تقييد الحريات الدينية، خصوصاً في ظل الحكم الإسلامي. ورغم التحسن النسبي خلال الفترة الانتقالية، فإن الانقلاب العسكري والحرب أعادا ملف الحرية الدينية إلى دائرة القلق وعدم اليقين.
مسيحيو السودان، كأقلية دينية، وجدوا أنفسهم في قلب صراع لم يختره، بين حرب تقودها المؤسسة العسكرية ونفوذ إسلامي متزايد، مما يجعل الإيمان نفسه هدفاً للاستهداف.
