هل ستفشل صناعة السفر والترفيه في أميركا في الاستفادة من كأس العالم؟
تشير مؤشرات السوق إلى أن موسم السياحة المتوقع أن يكون استثنائياً قد يتعرض لانتكاسة، حيث تتحول بطولة كأس العالم من محرك لرفع الأسعار إلى عامل ضغط يدفع الفنادق الأميركية لتخفيض الأسعار، مما يعكس الفجوة بين التوقعات والطلب الفعلي.
تراجع الحجوزات
تظهر البيانات تراجعاً ملحوظاً في الحجوزات، نتيجة لعدة عوامل، منها ارتفاع تكاليف السفر والتذاكر، بالإضافة إلى مخاوف التضخم وتشديد الإجراءات، مما يدفع شريحة واسعة من الجماهير الدولية لإعادة حساباتها وتقليص خططها.
تضع هذه التطورات الرهان الاقتصادي للمدن المستضيفة أمام اختبار معقد، حيث يتقاطع الطموح لتحقيق عوائد سياحية ضخمة مع واقع أكثر هشاشة، مما يهدد بتحويل الحدث العالمي إلى دفعة مؤقتة بدلاً من كونه نقطة تحول مستدامة لقطاع السفر والترفيه.
تخفيض الأسعار
وفقاً لتقرير لصحيفة فايننشال تايمز، قامت الفنادق الأميركية بتخفيض أسعار الغرف بشكل كبير خلال بطولة كأس العالم لكرة القدم هذا الصيف.
- يحذر المسؤولون التنفيذيون من أن أسعار التذاكر ومخاوف التضخم والمشاعر المعادية لأميركا تدفع مشجعي كرة القدم لتقليص خطط سفرهم.
- انخفضت أسعار غرف الفنادق في أيام المباريات في المدن المضيفة مثل أتلانتا ودالاس وميامي وفيلادلفيا وسان فرانسيسكو بنحو الثلث مقارنة بذروتها في وقت سابق من هذا العام، وفقاً لبيانات شركة Lighthouse Intelligence، مما يشير إلى انخفاض الطلب عن المتوقع.
ونقل التقرير عن مؤسس شركة Bespoke Stay لإدارة الفنادق الصغيرة والإيجارات قصيرة الأجل ومقرها فيلادلفيا، سكوت يسنر، قوله: “أرى الكثير من الناس يبدأون بالذعر ويخفضون أسعارهم”.
كان الكثيرون في هذا القطاع يأملون أن تساعد بطولة كأس العالم، التي تستضيفها الولايات المتحدة إلى جانب كندا والمكسيك، في عكس التراجع الذي شهده السفر إلى البلاد العام الماضي، عندما انخفضت الإيرادات لكل غرفة متاحة لأول مرة منذ ذروة جائحة كوفيد-19.
توقعات سابقة
يقول خبير أسواق المال، محمد سعيد، لموقع اقتصاد سكاي نيوز عربية إن الرهان الاستثماري الضخم الذي وضعته صناعة السفر والترفيه في الولايات المتحدة على كأس العالم 2026، كان مبنياً على توقعات قوية بإنعاش قطاع السياحة المنهك، حيث استعدت 11 مدينة أميركية لاستقبال ملايين الزوار الدوليين، مع تقديرات بضخ عشرات المليارات من الدولارات في الاقتصاد المحلي، مدفوعة بإنفاق سخي للسائح الواحد خلال رحلات تمتد لأسابيع. وقد دفعت هذه التوقعات المدن المستضيفة إلى تسريع استثمارات ضخمة في البنية التحتية والفنادق وشبكات النقل العام، بهدف خلق إرث اقتصادي طويل الأمد يمتد تأثيره لما بعد انتهاء البطولة.
إلا أن هذه التوقعات -بحسب سعيد- اصطدمت بواقع مختلف، إذ دخلت السوق الأميركية عام 2026 وهي تعاني من هشاشة واضحة وتراجع سياحي ملحوظ. ففي الوقت الذي شهد فيه العالم نمواً في حركة السياحة، سجلت الولايات المتحدة انكماشاً في أعداد الزوار الأجانب، خاصة من أسواق رئيسية مثل كندا وأوروبا، مما أدى إلى فقدان مليارات الدولارات من العائدات السياحية، وتفاقم الوضع مع تقليص التمويل الفيدرالي المخصص للترويج السياحي.
ويضيف أن التحدي الأكبر يتمثل في السياسات التنظيمية التقييدية، حيث تم توسيع قوائم حظر السفر لتشمل عشرات الدول، من بينها دول مشاركة في البطولة. ورغم السماح للمنتخبات والوفود الرسمية بالدخول، فإن المشجعين يواجهون قيوداً صارمة، إلى جانب فرض نظام الكفالة المالية، فضلاً عن ارتفاع رسوم التأشيرات، مما يجعل قرار السفر أكثر تعقيداً وكلفة.
ويشير إلى أن التأثير لم يقتصر على الدول المشمولة بالقيود، بل امتد ليخلق حالة من التردد حتى لدى الجماهير الأوروبية والكندية، نتيجة المخاوف المرتبطة بالإجراءات الأمنية المشددة، مثل تفتيش الأجهزة الإلكترونية والتدقيق في الحسابات الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي، إضافة إلى تقارير عن تواجد مكثف لعناصر الهجرة قرب الملاعب، مما يهدد الأجواء الاحتفالية للبطولة.
وفي محاولة لتخفيف هذه الضغوط، تم إطلاق نظام “FIFA PASS” بالتنسيق مع الاتحاد الدولي لكرة القدم، لتسريع إجراءات الحصول على مواعيد التأشيرات لحاملي التذاكر، إلا أن هذا النظام لا يعفي من الرسوم المرتفعة ولا يضمن الموافقة، مما يجعله حلاً جزئياً لا يعالج جوهر الأزمة.
يؤكد سعيد أن الاعتماد على الجاليات والمقيمين داخل الولايات المتحدة قد يساعد في ملء المدرجات، لكنه لا يعوض غياب السائح الدولي الذي يمثل القيمة الاقتصادية الأعلى من حيث الإنفاق على الإقامة والتسوق والخدمات.
كما يوضح أن المؤشرات الأولية بدأت تعكس هذا التراجع، مع تسجيل بعض المجموعات الفندقية ضعفاً غير متوقع في الطلب، بل ووصول الأمر إلى إعادة جزء من الحجوزات المسبقة، مما يشير إلى تحول البطولة من حدث عالمي شامل إلى فعالية تعتمد بشكل أكبر على الطلب المحلي.
ويختتم سعيد حديثه بالقول إن الرهان الاقتصادي لن يفشل بالكامل بفضل قوة الاستهلاك المحلي وشغف الجماهير، لكنه في المقابل لن يحقق كامل إمكاناته المرجوة، حيث ستتحول البطولة من فرصة لإنعاش السياحة إلى دفعة مؤقتة فقط. ويحذر من أن استمرار السياسات المنفرة على المدى الطويل قد يؤدي إلى تحول الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية إلى عبء بدلاً من أن تكون فرصة للنمو المستدام.
