
هل يشهد الاقتصاد الصيني بداية جديدة من الضعف؟
تتسارع تداعيات حرب إيران لتكشف عن هشاشة أعمق في بنية الاقتصاد الصيني، الذي لطالما اعتبر نموذجاً قادراً على امتصاص الصدمات الجيوسياسية الكبرى. ورغم أن الاحتياطيات الاستراتيجية من النفط والغاز الطبيعي وفرت لبكين هامش أمان نسبي في مواجهة اضطرابات الإمدادات، إلا أن هذا “الدرع الطاقي” لم يعد كافياً لحماية كامل المنظومة الاقتصادية من الاهتزاز.
تحديات جديدة
تشير المؤشرات الأولية إلى أن الاقتصاد الصيني، الذي يعتمد بشكل كبير على التصنيع والتصدير، بدأ يواجه تباطؤاً أكثر تعقيداً من مجرد أزمة دورية. فاختلال سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الطاقة يعيدان تشكيل معادلة الإنتاج، في وقت تتزايد فيه الضغوط على المصانع الكبرى التي تشكل العمود الفقري للنمو. ومع ذلك، يتحدث بعض المحللين والاقتصاديين الصينيين عن أساسيات متينة، مقللين من حجم المخاطر وتأثيرها.
تأثير الحرب في إيران
في هذا السياق، يشير تقرير لصحيفة “نيويورك تايمز” إلى أن:
- أسعار النفط والغاز الطبيعي المرتفعة نتيجة الحرب في إيران “بدأت تؤثر سلباً على الاقتصاد الصيني”، مما أدى إلى تباطؤ الإنفاق الاستهلاكي الضعيف أصلاً والإضرار بقطاعات التصدير الحيوية.
- تراجعت مبيعات السيارات في مارس، ثم انخفضت بشكل حاد في أبريل، كما شهدت المطاعم والفنادق انخفاضاً في عدد الزبائن مع ازدياد حذر الأسر.
- في جنوب الصين، تظاهر آلاف العمال في مصانع الألعاب الأسبوع الماضي بعد انهيار مصنعهم نتيجة ارتفاع تكاليف البلاستيك واستمرار فرض الرسوم الجمركية في الولايات المتحدة.
بحسب التقرير، فإن “العلامات الناشئة للتوتر تؤكد كيف أن الصين، حتى مع احتياطياتها النفطية الاستراتيجية الهائلة واستثماراتها الضخمة في الطاقة المتجددة، ليست بمنأى عن القوى التي تضغط على الاقتصادات في جميع أنحاء العالم”.
على الرغم من أن الصين قد بدت وكأنها تجاوزت تداعيات الحرب لأسابيع عديدة، إلا أن بوادر الضعف بدأت تظهر مع دخول الحرب أسبوعها التاسع دون نهاية واضحة.
توقعات النمو
نقلت كبيرة الاقتصاديين لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في شركة ناتيكس الفرنسية للخدمات المالية، أليسيا غارسيا هيريرو، قولها: “يشهد الاقتصاد تباطؤاً”. وأضافت أن الصين قد تواجه صعوبة في تحقيق هدف النمو لهذا العام البالغ 4.5 بالمئة أو أكثر.
من أبرز مؤشرات الضعف الاقتصادي الناشئ تراجع مبيعات وإنتاج السيارات، والتي تُعتبر عادةً مؤشرات مبكرة على وجود مشكلة؛ فالسيارات تُعتبر ثاني أكبر سلعة تشتريها العديد من الأسر الصينية بعد الشقق، كما أن هذه الصناعة تُحفز الطلب على الصلب والزجاج ومواد أخرى.
تراجعت مبيعات السيارات بالتجزئة في الصين بنسبة 26 بالمئة خلال الأيام التسعة عشر الأولى من شهر أبريل مقارنةً بالفترة نفسها من العام الماضي، وفقاً لجمعية سيارات الركاب الصينية. وبينما يعكس جزء من هذا التراجع ضعف مبيعات السيارات الكهربائية بعد انتهاء الحوافز الضريبية في ديسمبر، فقد كان أداء السيارات التي تعمل بالبنزين أسوأ، حيث انخفضت مبيعاتها بنسبة تقارب 40 بالمئة.
- أعلنت الصين هذا الشهر أن اقتصادها نما بمعدل سنوي قدره 5.3 بالمئة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام، إلا أن معظم هذا النمو كان في شهري يناير وفبراير.
- تباطأت مبيعات التجزئة في مارس، مسجلةً ارتفاعاً طفيفاً بنسبة 1.7 بالمئة فقط مقارنةً بالعام الماضي.
- أفاد الاتحاد الصيني للوجستيات والمشتريات بأن مخزونات البضائع غير المباعة استمرت في التزايد.
- أظهرت بيانات أرباح القطاع الصناعي يوم الاثنين استمرار قوتها خلال شهر مارس، مما يوفر حماية محتملة ضد أي تراجع اقتصادي. إلا أن جزءاً كبيراً من هذه المكاسب جاء من شركات الكيماويات والطاقة التي استفادت من مكاسب غير متوقعة نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز بعد تخزينها بكميات كبيرة بأسعار زهيدة قبل الحرب.
تأثير “قابل للاحتواء”
تقول الكاتبة الصحافية والمحللة الصينية، سعاد ياي شين هوا، لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”:
- ربط التوترات الحالية في الشرق الأوسط بوجود “ثغرات” في الاقتصاد الصيني يفتقر إلى أساس واقعي، ولا يستند إلى بيانات اقتصادية موثوقة.
- الاقتصاد الصيني يواصل الحفاظ على مسار مستقر يميل إلى التحسن، دون ظهور مؤشرات على تراجع منهجي في القطاع الصناعي.
- قطاعات الصناعات المتقدمة وصناعة المعدات تسجل أداءً يفوق المتوسط العام، بما يعزز زخم محركات النمو الجديدة.
وفيما يتعلق بتداعيات التوترات في الشرق الأوسط، تشير إلى أن تأثيرها على الاقتصاد الصيني يظل محدوداً وقابلاً للاحتواء، رغم احتمالات ارتفاع تكاليف الطاقة وتأثر الطلب الخارجي وتقلبات الأسواق المالية.
وتلفت إلى أن الصين تمتلك عدة عوامل تمكّنها من امتصاص هذه الصدمات، من بينها هيكل طاقة يعتمد بدرجة أكبر على الفحم مع حصة أقل للنفط والغاز مقارنة ببعض الاقتصادات المتقدمة، إلى جانب التوسع المتسارع في مصادر الطاقة المتجددة ووجود احتياطيات استراتيجية. كما تشدد على أهمية تنوع الشركاء التجاريين، حيث ترتبط الصين بعلاقات اقتصادية مع أكثر من 150 دولة ومنطقة، ما يقلل من أثر أي اضطرابات إقليمية.
وتختتم حديثها بالتأكيد على أن تحميل الاقتصاد الصيني تداعيات الضغوط الجيوسياسية العالمية واعتبارها دليلاً على “تراجع” أو “اختلال” في قطاعه الصناعي يُعد استنتاجاً مبالغاً فيه، موضحة أن التقييم الأكثر دقة يتمثل في أن الاقتصاد الصيني، رغم التحديات الخارجية، يواصل إظهار قدرته على التكيف عبر التحول الهيكلي وتبني سياسات فعالة.
انتعاش.. ولكن
يشير تقرير لشبكة “سي إن بي سي” الأميركية إلى أن:
- الاقتصاد الصيني شهد انتعاشاً في الربع الأول، حيث عوضت الصادرات القوية تباطؤ الاستهلاك المحلي، على الرغم من أن صدمة الطاقة الناجمة عن حرب إيران تهدد بتقليص الطلب العالمي وتقويض هذا الزخم.
- أظهرت بيانات صادرة عن المكتب الوطني للإحصاء أن الناتج المحلي الإجمالي نما بنسبة 5 بالمئة في الأشهر الثلاثة المنتهية في مارس، متسارعاً من 4.5 بالمئة في الربع السابق ومتجاوزاً توقعات الاقتصاديين بنمو قدره 4.8% في استطلاع أجرته رويترز.
- خفضت بكين هدفها للنمو هذا العام إلى نطاق يتراوح بين 4.5 بالمئة و5 بالمئة، وهو أقل هدف طموح مسجل منذ أوائل التسعينيات، في اعتراف ضمني بتباطؤ الطلب واستمرار التوترات التجارية مع الولايات المتحدة.
وقال مكتب الإحصاء في بيان له: “ينبغي أن ندرك أن البيئة الخارجية أصبحت أكثر تعقيداً وتقلباً”، محذراً من اختلال حاد بين “العرض القوي والطلب الضعيف”.
في سياق منفصل، ارتفع الاستثمار في الأصول الثابتة الحضرية، بما في ذلك العقارات والبنية التحتية، بنسبة 1.7 بالمئة في الربع الأول من العام مقارنةً بالعام السابق، متجاوزًا بذلك توقعات استطلاع أجرته رويترز والتي أشارت إلى نمو بنسبة 1.9 بالمئة. واستمر تراجع سوق العقارات، حيث انخفض الاستثمار بنسبة 11.2 بالمئة هذا العام حتى مارس، وهو انخفاض حاد مقارنةً بانخفاض قدره 9.9 بالمئة خلال الفترة نفسها من العام الماضي.
في مارس، نمت مبيعات التجزئة في الصين بنسبة 1.7 بالمئة مقارنةً بالعام الماضي، متراجعةً عن الزيادة التي بلغت 2.8 بالمئة في فبراير مدفوعةً بموسم الأعياد، وأقل من توقعات الاقتصاديين البالغة 2.3 بالمئة. وشهد الإنتاج الصناعي نموًا بنسبة 5.7 بالمئة الشهر الماضي مقارنةً بالعام الماضي، متجاوزًا توقعات المحللين البالغة 5.5 بالمئة، ومقارنةً بنسبة 6.3 بالمئة المسجلة في فبراير.
تأثر الصناعات
يشير خبير الشؤون الصينية، الدكتور جعفر الحسيناوي، لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”:
- الصناعة الصينية تأثرت بشكل ملحوظ نتيجة استمرار حرب إيران.
- هذا التأثير يرتبط بعدة عوامل رئيسية، حيث تعتمد الصين بدرجة كبيرة على واردات النفط الإيراني منخفض التكلفة نسبياً، والذي يمر عبر مناطق توتر حيوي مثل مضيق هرمز، مما يجعل هذه الإمدادات عرضة للتقلبات.
